مقالات

قسم خالد يكتب إلى أن نلتقي اليوم الاثنين

إلى أن نلتقي

1

يأتي الموت فجأة من دون مقدّمات، حيث يسرق منّا الفرحة والسّعادة، ويقلب حياتنا رأساً على عقب، يخطف منّا أحبّتنا، ويفرّق جمعنا، ويُخيّم على قلوبنا الأحزان. يأتي الموت فيصبح القمر بعد فقدان الأحبّة مُعتماً، والشّمس مظلمة، وتصبح حياتنا صحراء قاحلةً بلا أزهار ولا ملامح ولا ألوان، عندما يرحل الأحبّة لا نصدّق أنّهم لم يعودوا موجودين في عالمنا، لا نصدّق ولا نريد أن نصدّق أنّهم رحلوا وتركونا نعاني مرارة فقدانهم، فكم هي مريرةٌ لوعة الأشواق إليهم، وكم هي باردة وكئيبة ليالي العمر دون دفئهم وحنانهم الذي كان يغمرنا. الموت، تلك الكلمة التي تحمل في طيّاتها الكثير من المعاني الحزينة، والألم على فراق الأحبّة، فإنّ الموت لا يستأذن أحداً، ولا يجامل أحداً، وليس له إنذار مبكّر، فالعديد من الشّعراء لم يجدوا شيئاً للتّعبير عن فقدان أحبّتهم إلا برثائهم عن طريق قول الشّعر في ذكراهم.

ليتني كنت شاعراً حتى أرثي صديقي، وأخي، بل شقيقي، محمد عبد الفتاح (زغبير) كعادتي معه على الدوام أن يتصل بي صباحاً يجادلني فيما كتبت، وفي ذاك الصباح الحزين لم يرن هاتفي، لم يتصل زغبير، فبادرت بالاتصال أنا، للوهلة الأولى لم يرد هاتفه، لم يرد لأنه كان هناك عند مليك مقتدر، عاودت الاتصال مجدداً يأتيني صوت لم آلفه، أظنها زوجته، وأنا أسمع بكاءً، قلت لها: ماذا حدث ومن أنتِ؟ قالت لي: أنت صديقه؟ قلت لها: نعم، قالت لي محمد مااااات، المفاجأة ألجمتني، كدت أن أصيب فرداً بعربتي من هول المصيبة .

زغبير كان يمثل لي الكثير، كان يمثل لي الأخوة الصادقة، كان يمثل لي القلب الكبير، كان يمثل لي الأخ غير الشقيق، زغبير هو نسيج وحده، لم أر وجهه يوماً عبوساً، الابتسامة لا تفارق محياه .

قبل رحيله بيوم واحد اتصل بي مساء، وتناقشنا في العديد من المواضيع الهلالية، كان كأنه يودعني الوداع الأخير، لم ألحظ عليه شيئاً غير طبيعي، صوته العالي، ضحكته المجلجلة، طيبته البائنة، أظنه يوماً كان يبحث له عن دواء في إحدى الصيدليات لأنه كان يقطع حديثنا ليتحدث مع شخص آخر ويقول له يا دكتور .

رحل زغبير صاحب القلب الكبير، وترك لنا الحزن يتمدد، والمآقي باكية والقلب يلفه الحزن من كل جانب .

2

وقبل أن نفيق من صدمة فراق زغبير قام تاني واحد جميل رحل، أنه أستاذنا الجليل أحمد محمد الحسن، شاءت الأقدار أن أعمل معه في صحيفة الزاوية التي تولى رئاسة تحريرها، يومها أدركت لماذا وصل أستاذنا أحمد محمد الحسن لهذه المكانة الكبيرة في قلوب القراء وقلوب أهل الرياضة أجمعين .

لا يشعرك بأنه رئيسك المباشر في العمل، أدبه الجم، وأخلاقه الرفيعة تجبرك أن تقف له إجلالاً واحتراماً .

الأستاذ أحمد محمد الحسن تاريخ نضير، فهو من مؤسسي الصحافة الخالية من الهتر والتنابذ، هو مدرسة تعمل في فصولها معظم صحافيي بلادي، لم أره يوماً على خلاف مع أحد، دائم الظهور في كل المناسبات، وكلما تبحث عنه أما تجده قد غادر للتو أو تجده أمامك، لذا أحبوه .

مات أحمد محمد الحسن وترك لنا إرثاً كبيراً عنوانه الأدب والاحترام وسمو الأخلاق، مات أحمد ولم تمت كلماته وتوجيهاته وأخلاقه الجميلة .

أحمد محمد الحسن بكل تاريخه الوضئ عندما يرغب في أن يتناول أمراً ما، في صحيفتنا (قوون) يبادر بالاتصال بي ويقول لي : سلَّمت محمد ابني مادة، أن رأيتموها تستحق النشر فأنشروها وإلا فعليك بأقرب سلة مهملات إلى جوارك، بربكم هل وجدتم تواضعاً أكثر من هذا؟ أحمد محمد الحسن بكل تاريخه الوضئ يستأذنك لتنشر له مادة .

ونقول مع الناعي:

أين الملوك التي كانت مسلطنةً

حتّى سقاها بكأس الموت ساقيها

فكم مدائن في الآفاق قد بُنيت

أمست خراباً وأفنى الموت أهليها

لا تركننّ إلى الدّنيا وما فيها

فالموت لا شكّ يفنينا ويفنيها

لكلّ نفس وإن كانت على وجل

من المنيّة آمال تقوّيها

المرء يبسطها والدّهر يقبضها

والنّفس تنشرها والموت يطويها

اللهم اغفر لأحمد وزغبير، اللهم اجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، اللهم اغسلهما بالبرد والماء والثلج، اللهم وسع مرقدهما، اللهم اجعلهما من الشهداء عندك، اللهم اجعل البركة في ذريتهما وأبدلهما داراً خيراً من دارهما، وأهلاً خيراً من أهلهما .

3

لعب منتخبنا الوطني مباراة كبيرة بالأمس، أمام جنوب أفريقيا رغم الخسارة بهدف وحيد، نتيجة المباراة جعلت صقور الجديان يتصدرون مجموعتهما في الجولة الثانية بفارق الأهداف من غانا، إذ تساوى منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم والمنتخب الغاني والمنتخب الجنوب أفريقي برصيد ثلاث نقاط، لكل منهم واضعين في الاعتبار أن المنتخب الغاني لعب مباراة واحدة أمام جنوب أفريقيا كسبها بهدفين وإذا فاز في مباراة ساوتومي وهو أمر متوقع يكون قد حسم الصدارة لمصلحته بست نقاط كاملة .

كان يمكن لنتيجة مباراة منتخبنا الوطني بالأمس، أن تخرج بغير النتيجة التي خرجت بها وهي التخلف بهدف، فالهدف الجنوب أفريقي منحه لهم قلب الدفاع بويا، فيما أهدر محمد الرشيد هدفاً إذ فضَّل التهديف من التمرير للزميل الذي كان في وضع أفضل منه .

عموماً أداء مشرِّف لمنتخبنا الوطني وباتت أحلامنا كل يوم تزيد بعد تلك العروض الجميلة لصقور الجديان.

التعليق بواسطة فيس بوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق