مقالات

زفة ألوان يس علي يس.. يمى.. شن حارس وراك أنا تاني..؟؟ •


يمى.. شن حارس وراك أنا تاني..؟؟
• الحمد لله أولاً وأخيراً.. الحمد له؟ الذي جعل الموت عبرة.. والحياة معبراً، خالق السموات بغير عمد، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا شريك له ولا ولد، الحمد لله عدد خلقه ، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، لا إله إلا هو الحي القيوم رب العرش الكريم، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، حمداً على كل النعم، والابتلاءات، شكراً على كل العطاء غير المحدود، وخضوعاً لكل أمر منه سبحانه وتعالى، فنحن في هذه الدنيا ضيوف خفاف، نبقى فيها أياماً ثم نرحل، وتلك سنة الدنيا، ما بين صرخة ميلاد، ونياح الموت، والحمد لله رب العالمين..!!

• والحزن الأشعث يتسرب ذات نهار إلينا، يراقب الموت وهو يقترب منها، يتكيء على الثواني والدقائق، ثم يملأ المكان بالتنهدات الحارة، والعيون الشاخصة المترقبة، وكأن كل شيء كان يتواطأ مع الحزن، وكأن كل الوجع كان يجمع أطرافه في تلك اللحظات الأخيرة، التي عجزت فيها الأيدي عن إدراك النجاة، والعبور بأعظم إمرأة إلى بر العافية من جديد، كنا نراها “من وراء صفحة قزاز مبلول”، وخلف أجهزة التنفس تصارع الهواء والأوكسجين، ويقاتل قلبها للبقاء، وأعيننا الخائفة والمتوجسة والمبعثرة، تتشبث بأيدي الأطباء، وترجوهم في صمت موجع أن يسارعوا الخطوة، لتعود أمي إلى البيت معنا مجدداً، بتلك الإبتسامة، وذلك الحضور ، وذلك الألق، وذلك الجمال البهي، كما كل مرة، ولكن كانت يد الموت أسرع هذه المرة، فاختارت روحاً كم ملأت كل الأماكن بالحضور، ورحلت أمي.. إلى غير رجعة هذه المرة..!!
• كانت “شامة عبد الحفيظ” جبلاً أشماً، وكانت غيمة ماطرة، وكانت ذات يد واصلة، وقدم لا تترك رحماً إلا ووصلته، حتى وهي في أشد أوقات ضعفها، وألمها، وعدم قدرتها على الحركة، كانت عالماً لوحده، ونسيج لا يمكن تكراره بسهولة، ذلك أنها لم تكن تمنح الدنيا كثير اهتمام، ولم تكن تتشيث بها، ولا تسعى إليها، فقد نذرت نفسها لنا منذ أن رحل الوالد قبل “كم وأربعين وسنة”، واختارت أن تكون هي الأب، والأم والأخت والأخ، والأصدقاء، وتشهد الدنيا أنها نجحت في كل هذا، وقاومت ضعفها وضعفنا، وأبت إلا أن يكون شبابها فداء لشبابنا، وحياتها هبة لحياتنا، فكانت “يمى” هي الدوحة التي ظللنا نستظل بها من هجير الأيام حتى كان اليوم الذي رحلت فيه، وتركتنا ضائعين كريشة تحت المطر…!!

• تحملت “يمى” كل الإبتلاءات والمرض بصبر جميل، وآثرت أن لا توجع قلوبنا الصغيرة بالآهة، حتى ونحن نرى أمارات الوجع في تفاصيلها، ونسألها بقلوب الصغار: “يمى مالك؟؟ حاسة بي شنو؟؟”، فتجيب تحت وطأة الألم : “ما عندي شي، كويسة الحمد لله..”، ونحن ندرك أن لا أسئلتنا كافية، ولا إجاباتها شافية، ولكن لا أحد يجرؤ على الإعتراض على حكم الله العزيز القدير، فنردد معها “الحمد لله”، ونعيدها الآن “الحمد لله”، وغداً “الحمد لله” وحتى الممات “الحمد لله”..!!
• مازلت أتجنب غرفتك، وسريرك، مازلت أهرب من عطرك في كل المكان، مازالت أثار يدك التي كانت تتحسس يدي وشعري ووجهي باقية، والعيون تقول الكثير، ولكن اللسان لا يقوى على الحديث، مازالت “سارة” الصغيرة الحبيبة “ماشة لي يمى”، تلك التي كانت تغمرها بالحنان، والعطف والمحبة، وتعلق صورتها أمامها وهي طفلة ابنة الشهور، وتعتز بهذه الصورة، وتحميها حتى من تقلبات الفصول، كانت يمى، وكانت يمى، وكانت يمى.. شريط طويل من الحكايا التي تحجبها الدموع، وتخلق حاجزاً ما بين العين والشوف، وفراغاً في القلب والجوف، ولا نملك إلا الدعوات بالرحمة والمغفرة، وشهادة بأنها قد أوفت كل حقوقنا، وقصرنا نحن، أعطتنا كل شيء وبخلنا، فاللهم إنا نشهد إنها كانت نعم الأم ، ونعم المربي، وأنها كانت أمة لوحدها، أدباً وجمالاً وأخلاقاً..!!
• غادرت يمى، إلى عالم اللا عودة، ولكنها تركت أثراً باقياً وذكرى باقية ممتدة تشهد بها جموع المعزين الذين جاءوا من كل حدب وصوب، وكل من عرف “شامة عبد الحفيظ” حرص على أن يكون في وداعها الأخير، وهي تلوح بالوداع، ثم تترك هذا العالم بعد أن ملأته حباً وتسامحاً ومحبة وتواصلاً، رحلت “يمى” وقد انكسرت بداخلنا أشياء كثيرة لا ندري كنهها، ولا نعرف حقيقتها، ولكننا نستشعرها ونسمع صوتها، ثم ألا يحق لنا أن نطلق دموعنا..؟؟
• الحمد لله على أن اصطفاها إلى جواره وهو أكرم منا جميعا، وألطف بها من كل العالمين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يكرم نزلها، ويوسع مداخلها ويسكنها مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أؤلئك رفيقا..!!

• وأخيراً وليس آخراً الشكر لكل الأخوان والأصدقاء في الحي وزملاء الدراسة والأحياء، والشكر لكل أساتذتنا الزملاء والزميلات في مختلف الصحف والإذاعات والفضائيات، والشكر لكل من كلف نفسه مشقة الوصول أو التواصل أو الاتصال معزياً..!!
• شكراً لكم فقد خفف وجودكم وجع الفقد، وكنتم خير معين لتجاوز المحنة والفقد الكبير..!!
• ويبقى الشكر أجزله للأخ محمد حسن عثمان “أب سن”، وإن شاء الله يوم شكرك ما يجي..!!
• يمى.. شن حارس وراك أنا تاني.. ما ياني معاك مسافر..!!
• والحمد لله من قبل ومن بعد.. وإنا لله وإنا إليه راجعون..!!

التعليق بواسطة فيس بوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق