سودانا فوق أونلاين

تاريخ الهلال والمريخ .. خالد عزالدين في رؤية تحليلية .. يكتب عن نشأة المريخ

تاريخ الهلال والمريخ ..

خالد عزالدين في رؤية تحليلية .. يكتب عن نشأة المريخ ..

في كتابه أزمة العقل العربي المعاصر يقول الاستاذ قاسم حسين صالح (ان العقل العربي يعيش ازمة تفكير , والتفكير في العقل العربي هو من النوع المتقبل الذي يؤدي بالضرورة الي مقاومة التغيير بينما العقل العالمي المعاصر يمارس التفكير الناقد بما يتسم به من خصائص مثل الدقة والاستدلال وتقويمالحجج والتفريق بين الراي والحقيقة ورؤية الوجه الاخر للاحداث والأتجاه نحو الجديد من الافكار والتحليل الدقيق والموضوعي لاي ادعاء او عتقاد للحكم علي مدي صحته وصدقه وقيمته واستخدام قواعد الاستدلال المنطقي (1)

ونحن قي منطقة وسط السودان علي وجه الخصوص ننتمني الي  هذا العقل العربي المتقبل للرويات التاريخية والتسليم بها دون الغوص في اعماقها واستعمال ادوات العلم والمنطق والدقة معها ..

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي وسطنا الرياضي هناك الكثير من الموروث الذي تقبلناه وظللنا نكرره باستمرار حتي اصبح حقيقة دامغة لا تقبل الشك رغم انه اضعف من ان يقف امام اي ميزان علمي او منطقي او عقلاني ..

ومن هذا الموروث ما نتداوله عن تاسيس المريخ قبل الهلال أو ان الهلال من ضلع المريخ او تسمية المريخ نفسه عبر رواية اجتماع عدد من الشباب في منزل عبد السيد فرح ودخول الشابة سيدة فرح عليهم واقتراحها تسمية الفريق الجديد باسم المريخ .!!

وحتي التواريخ علينا ان نتقبلها هكذا بان المسالمة قد تأسس في عام 1908 وانه اصل المريخ ويمكن ان نؤرخ للمريخ من هذا التاريخ وان المريخ تأسس عام 1927!!

ورغم ان هذه التواريخ ليست بعيدة او ضاربة في القدم الا ان مستنداتها غير موجودة وبالتالي فانها تقوم علي النقل الشفهي الذي يدخل فيه المزاج الشخصي ومع الوقت يضيف كل جيل لهذه المعلومات شئ من (البهار) محاولا تاكيدها لندخل في ازمة أشبه بازمة التراث الاسلامي حين تحولت  بعضالمقولات العادية لاشخاص عاديين الي جزء اصيل من الدين من الصعب عليك تجاوزه رغم انه لا اصل له من الدين ..

ورغم ان الدين الاسلامي هو دين عقل ومنطق وان اول ما جاء به الرسول الكريم من القران هو (أقرا) فاننا تجاهلنا القراءة بشكل عام وقراءة القران علي وجه الخصوص واتجهنا للحفظ .. لنجد ان مراكز حفظ القران منتشرة في كل مكان رغم ان القران نفسه محفوظ بامر رب العالمين وان المطلوب هو التفقه في الدين وقراءة القران بتمعن والانصات له حتي نفكر ونهتدي اكثر بهذا التفكير (افلا يتدبرون القران )

التفكير الحر والمنطقي والهادئ ربما لا يكون مقبولا عند الكثيرين لانه يقود في النهاية للحقيقة .. ومعظم البشر وللاسف لا يريدون الحقيقة ومعظمهم لا يحب التغيير لذلك فان مقاومة التغيير هي جزء من نسيجنا الاجتماعي !!

أحاول هنا معتمدا علي التحليل العلمي والمنطقي ومستدلا بالاحداث التاريخية والمستندات ان اقدم ما اعتقد انه الحقيقة دون ان ارفض الوجه الاخر منها بل بالعكس فانني ادعو الي فتح ابواب من الحوار والنقاش الهادف عسي ان تمتد هذه الحلقات لنكتب تاريخا واضحا وصريحا ومبنيا ما استطعنا الي ذلك سبيلا علي حقائق مدعومة بالمستندات وقادرة علي الصمود امام قياسات العلم والمنطق ..

المسالمة والمريخ !!

هناك شبه اجماع علي ان المريخ هو أمتداد لفريق المسالمة الذي تاسس عام 1908 وهذا الاجماع الذي اصبح من المسلمات في التاريخ الرياضي ليس له اي مستندات دامغة او منطق قوي ..

نعود الي تاسيس فريق المسالمة وهو فريق حي او منطقة معروفة في امدرمان .. وبالتالي فان التاكيد علي ان المسالمة نفسه تأسس في عام 1908 لا يستند علي مستند فهولاء شباب حي يجتمعون للعب كرة القدم .. لم يحملوا معهم ورقة وقلم لبداية تدريباتهم او تاسيس فريقهم .. لان الفكرة اصلا لم تقم علي تأسيس نادي وانما قائمة علي ممارسة كرة قدم فقط وبالتالي فان الاهتمام بالتاريخ وبداية المنافسة في ذلك الوقت ليس له ما يبرره ..

يقول المؤرخون ان دخول كرة القدم للسودان كان عن طريق جنود الجيش الانجليزي في منطقة الخرطوم وبالتالي فان منطقة بري اول من عرف كرة القدم ومن ثم انتقلت عبر المدارس وتحديدا مدرسة امدرمان الاميرية التي اسست في عام 1904 الي امدرمان ..  هذه افكار وتواريخ مبنية علي النقل الشفاهي وهو امر طبيعي لان ممارسة الكرة ليست من الامور التي تستحق ان يهتم بها بدقة في ذلك الوقت .. بعد ان عرفت امدرمان الكرة باي صورة من الصورة كانت .. انتقلت للاحياء بطريقة طبيعية ليمارس كل ابناء الاحياء القديمة تقريبا هذه اللعبة دون تحديد تواريخ حاسمة وجازمة ومحددة لذلك فان بداية ممارسة الكرة في المسالمة بتاريخ محدد امر غير قابل للجزم به ولكن يمكن ان يكون في اطار زمني معقول بعد عام 1904..

هل المريخ أمتداد للمسالمة ؟!!

للاجابة علي هذا السؤال دعونا نعود للكاتب الاستاذ ابوبكر عابدين سيد احمد في كتابه (موسوعة المريخ الجزء الاول2)

في كتاب ابوبكر نقرا ما يلي ( أنقسام المسالمة جاء بعدما حدثت خلافات في الراي بين فتح الله وعبد السيد ادت الي وجود فريقين متنافسين دارت بينهما صراعات عنيفة حول ميدان اللعب فبعد المران كانت مجموعة فتح الله تقوم بالقاء القاذورات والحجارة والزجاج وغيرها من المعوقات لتمنع المجموعة الاخري بقيادة عبد السيد الاستفادة من الميدان الا بشق الانفس ) وفي نفس الكتاب نقرا (تزعم فتح الله بشارة المعارضة وتمسك باسم المسالمة وحدثت بين الجانبين معارك ومناوشات حول الملعب .. فاضطر عبد السيد الي كتابة خطاب الي مفتش المركز (برمبل بك) والذي كلف المستر لوسن ملاحظ البوليس لحفظ الامن وبالفعل ظل يرسل اثنان من رجال البوليس في ايام التمارين )

هذه الحقيقة التاريخية التي اوردها اهل المريخ انفسهم تؤكد بان المريخ كان موجودا كفريق والمسالمة موجود كفريق وأن الصراع بينهما وصل الي حد تدخل البوليس وهذا ينفي نفيا قاطعا بان المريخ هو المسالمة او ان تاريخ المريخ بدأ من تاريخ المسالمة بل بالعكس فالمنتمين حقيقة للمسالمة والمتمسكون بهذا الاسم اعتزازا بمنطقتهم مثلهم مثل الموردة والعباسية  واب روف وودنوباوي وغيرها من فرق الاحياء التي تطورت بعد ذلك لاندية .. المتمسكون باسم المسالمة رفضوا فكرة المريخ تماما وتحول الامر الي ما يشبه الحرب بينهم حيث كانوا يضعون القاذروات في الملعب حتي لا يتدرب لاعبو المريخ !!

هل عبد السيد فرح هو فريق المسالمة !!

يقول مؤرخو المريخ أنفسهم ان فريق الحي المسالمة كان موجودا قبل ان ينضم اليه عبد السيد المسيح وبالتالي هو ليس مؤسس لهذا الفريق وبعد ذلك انسلخ عن المسالمة واراد تكوين فريق جديد .. وبالتالي اختار له فريق جديد لا علاقة له بالمسالمة الذي أستمر بعد ذلك .. بينما ظل فتح الله بشارة مخلصا للمسالمة ..  وعليه فان كان ربط تأسيس المريخ بالمسالمة بسبب وجود عبد السيد المسيح لانه كان يلعب في فريق المسالمة فيمكن ان نربط تاسيس الهلال بفتح الله بشارة وهو اكثر تمسكا بالمسالمة وعضو مؤسس بنادي الهلال ونقول ان الهلال تأسس عام 1908.. ولكن الفكرة مختلفة تماما فهذا نادي قد نشأ بفكرة جديدة ومختلفة مثله مثل المريخ ومن غير المعقول ان نربط تاريخ تأسيسه بفريق مختلف ..  نعم كانت بداية المريخ في حي المسالمة في منزل عبد السيد فرح وكانت بداية الهلال في حي الشهداء في منزل اولاد رجب ويمكن ان نتحدث عن الاحياء في نشأة الفريقين او الناديين ولكن ارتباط تاريخ المريخ بميلاد المسالمة يكون من باب الباحث عن التبنئ او التجنيس او التاريخ القديم فقط !!!

لا وجود للمريخ في خارطة الكرة السودانية !!

يقول الاستاذ ابوبكر عابدين في كتابه (موسوعة المريخ.. ص67)

.. جرت محاولات لدمج فكتوريا في المريخ ولكن اعضاء فكتوريا اشترطوا فوز المريخ علي الهلال في احدي المباريات الهامة في تاريخ الفريقين فان فاز المريخ اندمجوا معه وان فاز الهلال اندمجوا معه ففاز المريخ علي الهلال في المباراة التاريخية المعروفة ولكن اهل فكتوريا اشترطو تغيير اسم المريخ وبعد مداولات مطولة وافق اهل المريخ علي تغيير الاسم واتفقوا علي اسم الاهلي وكان ذلك في عام 1933 ..

وهكذا وبحقيقة ثابته من اهل المريخ انفسهم فان المريخ لم يكن في فترة من الفترات في الوجود اصلا حيث تحول الي نادي جديد اسمه الاهلي خلال أشهر من عام 1933 !!! هذه الاشهر نحسبها من عمر المريخ ام عمر الاهلي ام عمر المسالمة ؟! تاريخ ميلاد المريخ نفسه لا يمكن تحديده .. هل نعتبره من لحظة انفصاله عن المسالمة والاجتماع في منزل عبد السيد .. هل من تاريخ ارسال طلب لتغيير الاسم الي المريخ .. هل من تاريخ الموافقة علي الطلب ؟ علما بان الطلب وحسب ما ينشر اهل المريخ كان في عام 1927 والاندية تم تسجيلها في عام 1929 او هكذا يقولون ..

لماذا استبدال المسالمة بالمريخ ؟؟!

هذا هو السؤال الذي لم نجد له اجابة والذي لم نجده اصلا في كل الكتابات التاريخية عن المريخ .. لماذا لم يرسل عبد السيد فرح ابوسيفين طلبا بتسجيل المريخ والسلام ؟ لماذا ارسل طلبا بتغيير اسم المسالمة للمريخ وتسجيل المريخ !! وهل كان المسالمة اصلا مسجلا حتي يتم تسجيل المريخ بديلا عنه !

الهوامش ..

1- كتاب ازمة العقل العربي المعاصر ..الناشر الدار العربية للعلوم. بيروت عام 2014

2- كتاب ابوبكر عابدين (موسوعة المريخ الجزء الاول)

في الحلقة القادمة .. نتحدث عن رواية اختار اسم المريخ وهل فعلا تأسس قبل الهلال ..

التعليقات مغلقة.